أوقاتنا والضياع
للشيخ خالد الراشد
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
قال الله تعالى:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" (آل عمران: 102)
واعلموا عباد الله، أن أصل الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أهمية الوقت والوقوف عنده
أقسم الله عز وجل بالليل والضحى والفجر والعصر، وهو لا يقسم إلا بعظيم، دلالة على عظم الوقف والوقت.
فالوقت هو رأس المال الحقيقي للإنسان، وإذا مضى لا يعود، وكل ثانية منه ثمينة.
قال الله تعالى:
"ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله" (الأحقاف: 19)
أصناف الناس في استغلال الوقت ثلاثة:
من يضيع الوقت ولا يعرف قيمته.
من يعرف الوقت لكنه لا يستثمره.
من عرف قيمة الوقت وسابق في الأعمال الصالحة.
قال عمر بن عبد العزيز:
"الليل والنهار يعملان فيك وأنت تعمل فيهما"
قال الله تعالى:
"اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما" (الحديد: 20)
سباق الحياة وأنواعها
السباق في الحياة نوعان:
سباق على المال والدنيا (الدرهم والدينار).
سباق على مرضات الله سبحانه وتعالى.
لكل سباق خط نهاية، ونهايته إمّا نعيم دائم في الجنة أو عذاب دائم في النار.
والسباق يحتاج إلى جهد وعزيمة ومثابرة، فالعمر يمضي سريعًا ولا ينتظر أحدًا.
قال الشاعر ابن مسفر في قصيدته "الأيام مطايا":
"هذه الأيام مطايا، أين العدة قبل المنايا، أين العزائم، أرضيكم بالدنايا..."
أهمية اغتنام العمر
اغتنم شبابك قبل أن تحرم، واغتنم صحتك قبل مرضك، واغتنم فراغك قبل شغلك، واغتنم غناك قبل فقرك، واغتنم وقتك قبل أن تضيع.
الأيام تمر سريعًا، وما الحياة إلا مثل ظل الراكب، يظل ساعة ويتركها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"ما لي وللدنيا؟ إنما هي كومة الراكب يظل ساعة ثم يتركها"
أعمار أمتي بين الستين والسبعين، وقليل من يتجاوز. من بلغ من العمر الأربعين يجب أن يبدأ في الاستعداد للقاء الله.
التربية والضياع
كثير من الأبناء يضيعون بسبب تهاون الأهل وغياب الرقابة، وتركهم للشارع والشاشات والمخدرات.
قصص واقعية عن أبنائنا:
أحد الأبناء كان محافظًا على الصلاة والقرآن، لكنه بدأ بالسهر والانغماس في الشارع.
تدخل الأب والعلاج والمتابعة، لكنها لم تؤتِ ثمارها دائمًا بسبب أصحاب السوء.
قصة مأساوية لابن ضاع في المخدرات، توفي وهو صغير، وكثير من الشباب قد يضيعون بنفس الطريقة.
الواجب:
تربية الأبناء على الطاعات وترك الفواحش، وتوفير البيئة الصالحة في البيت.
حماية الأبناء من الشاشات والقنوات الفاسدة، وتهيئة البيت الصالح لهم.
حكم الحياة والآخرة
الدنيا دار ابتلاء وامتحان، والدار الآخرة دار القرار: إما نعيم أو عذاب.
الخسارة الحقيقية ليست في الدنيا بل في أن يخسر الإنسان نفسه وأهله يوم القيامة:
"وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (المؤمنون: 103)
كل يوم جديد هو شاهد على أعمالنا، فاغتنم كل يوم قبل أن يمضي.
الخاتمة
عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله وحفظ أوقاتكم وأعماركم، وبيوتكم وأهليكم.
أصلحوا بيوتكم وأبنائكم قبل أن تقع المصائب.
حببوا الإيمان في قلوبكم وكرهوا الفسوق والعصيان.
اجعلوا ولايتكم في من خاف الله وابتغى مرضاته.
اذكروا الله كثيرًا واشكروه على نعمه، واعلموا أن للذكر أثر عظيم في حفظ النفس والمجتمع.
قال الله تعالى:
"يَعْلَمُ اللَّهُ مَا تَصْنَعُونَ" (الحجرات: 18)