البكاؤون
للشيخ خالد الراشد
تمهيد:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيباً.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم أعمالكم ويغسل لكم ذنوبكم. ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً.
أما بعد، فالحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أهمية البكاء وذكره في القرآن والسنة
قال الله تعالى: "إذا سمعوا آياته وبيناته إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً"
وقال عنهم: "ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً" وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله"
وعن أبي الجلد، جيلان بن فروة قال: قرأت في مسألة داود عليه السلام أنه قال:
"إلهي ما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجنتيه؟" قال الله: "جزاءه أن يُؤمن وجهه يوم الفزع الأكبر"
النتيجة: فالبكاء من خشية الله له قيمة شرعية وتعبدية، ويفتح باب الرحمة من الله تعالى.
أنواع البكاء وأسبابه
البكاء له أسباب متعددة:
البكاء على فقد الأحباء، مثل الأب أو الأم أو الأخ أو الحبيب.
البكاء على الخسائر المادية أو المشاكل الاجتماعية.
البكاء خشية الله وطلب الرحمة والمغفرة.
البكاء شوقًا للنبي صلى الله عليه وسلم، كما فعل بعض التابعين.
أمثلة من الصحابة والتابعين:
بكت أم أيمن رضي الله عنها حزناً وخوفاً على الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
بكى الأوزاعي في مصلاته، وبكى الصديق أبو بكر وعمر رضي الله عنهما خشية لله.
الحكمة: الدموع الحارة نابعة من خشية الله، وتكون دليل توبة وندم، بينما الدموع الباردة لا أثر لها.
البكاء تعبير عن خشية الله والتقوى
عبد الله بن الشختير رضي الله عنه قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز من البكاء"
عائشة رضي الله عنها قالت عن أبو بكر: "إنه رجل رقيق القلب سريع البكاء" عن عمر رضي الله عنه: كان شديد القوة، ومع ذلك كان حاضراً للبكاء.
الآية القرآنية: "تنزل الأحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثانياً، أقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله"
البكاء من أجل الذنوب والآخرة
عن عقبة بن عامر: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابكي على خطيئتك قبل أن تشهد عليك الجوارح"
مالك بن دينار قال: "ابكي يا أبا بشر، فإن العبد إذا بكى بين يدي سيده رحمة"
ابن القيم رحمه الله: "من لم يتقطع قلبه في الدنيا على ما فرط، فتقطع في الآخرة"
خلاصة: البكاء دليل على الوعي بالذنوب والخوف من العقاب، وهو طريق للتوبة والرحمة.
البكاء حباً وشوقاً للنبي صلى الله عليه وسلم
بكاء أحد التابعين عشرين سنة شوقاً للنبي صلى الله عليه وسلم.
بكاء الصحابة عند لقاء النبي بعد الغزوات، تعبيراً عن الحب والشوق والولاء.
الدموع الصادقة دليل على حب الله ورسوله، والدموع الحارة تغير الحياة.
البكاء في الجهاد والإخلاص لله
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بالجهاد، فبكوا على عدم قدرتهم، ولم يمنعهم من محبة الله والاستشهاد.
البكاء على المسلمين في بقاع الأرض يدل على الرحمة والشفقة.
البكاء يخفف ألم القلوب ويزيدها خشية لله والتعلق بالدين.
البكاء كوسيلة للرحمة والتأمل
القلوب القاسية لا تذرف الدموع، والبعد عن الله يزيد القسوة.
يزيد الرقاسي: "إذا لم تبكِ على ذنبك، فمن يبكي لك بعدك؟"
البكاء عبادة ترفع الإنسان وتقربه من الله.
الختام والدعاء
عباد الله:
تذكروا الله واشكروه على نعمه.
استغفروا من ذنوبكم، وابتغوا رضوان الله.
احرصوا على صلاح الدين والدنيا، وإقامة الصلاة، وآداء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك، واغفر للذنوب، وفرج هم المهمومين، واهدنا للحق.
الدعاء الأخير:
"اللهم احبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسق والعصيان. واجعلنا من الراشدين. اللهم آمنا في أوطاننا واصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واغفر ذنوب الأحياء والأموات.\